الطبراني

509

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

ولا خلاف بين العلماء في جواز الرهن في الحضر ؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم [ اشترى من يهوديّ طعاما إلى أجل ورهنه درعه ] « 1 » . والفائدة في ذكر السفر في الآية : أن الأغلب من حال السفر عدم الشهود والكتّاب ؛ فخصّ الرهن بحال السفر . وعن مجاهد : ( أنّه كان يكره الرّهن في الحضر ) . قوله عزّ وجلّ : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ؛ اختلف المفسرون في هذه الآية ؛ فقال قوم : هي خاصّة ؛ واختلفوا في خصوصها ، فقال بعضهم : نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها . يعني : ( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ ) أيّها الشهود من كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان ( يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) . وهذا قول الشعبيّ وعكرمة ، ورواية مجاهد عن ابن عباس ، يدلّ عليه قوله تعالى فيما قبلها : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ الآية . وذهب بعضهم إلى أنّها عامّة في الشهادة وفي غيرها ، ثم اختلفوا في وجه عمومها ؛ فقال بعضهم : هي منسوخة . وروي أنّه لمّا نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرّحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فجثوا على الرّكب وقالوا : يا رسول اللّه ، ما نزل علينا آية أشدّ من هذه ؛ إنّ أحدنا ليحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه - يعني يحدث نفسه بأمر من المعصية ثم لا يعمل بها - وإنّا لمؤاخذون بما نحدّث به نفوسنا إذا هلكنا ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ هكذا نزلت ] ، فقالوا : كلّفنا من العمل ما لا نطيق ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ أفتقولون كما قالت اليهود : سمعنا وعصينا ؟ ! ] فقالوا : بل سمعنا وأطعنا يا رسول اللّه . واشتدّ عليهم ذلك ؛ فمكثوا حولا ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 2 » فنسخت ما قبلها . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّ اللّه تجاوز

--> ( 1 ) أخرجه البخاري عن علي رضي اللّه عنه في الصحيح : كتاب البيوع : باب شراء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالنسيئة : الحديث ( 2068 ) ، وفي كتاب السلم : باب الرهن في السلم : الحديث ( 2252 ) . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند : ج 1 ص 233 . ومسلم في الصحيح : كتاب الإيمان : باب أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا بما يطاق : الحديث ( 199 / 125 ) ، وإسناده صحيح .